ابن عربي
329
الفتوحات المكية
السعادة فلما ضعف الوسط وتقوى الطرفان غلب في آخر الأمر وامتلأت الدار إن وجعل في كل واحدة منهما نعيما لأهلها يتنعمون به بعد ما طهرهم الله بما نالوه من العذاب لينالوا النعيم على طهارة ألا ترى المقتول قودا كيف يطهره ذلك القتل من ظلم القتل الذي قتل من قتل به فالسيف محاء وكذلك إقامة الحدود في الدنيا كلها تطهير للمؤمنين حتى قرصة البرغوث والشوكة يشاكها وثم طائفة أخرى تقام عليهم حدود الآخرة في النار ليتطهروا ثم يرحمون في النار لما سبق من عناية المحبة وإن لم تخرجوا من النار فحب الله عباده لا يتصف بالبدء ولا بالغاية فإنه لا يقبل الحوادث ولا العوارض لكن عين محبته لعباده عين مبدأ كونهم متقدميهم ومتأخريهم إلى ما لا نهاية له فنسبة حب الله لهم نسبة كينونته كانت معهم أينما كانوا في حال عدمهم وفي حال وجودهم فكما هو معهم في حال وجودهم هو معهم في حال عدمهم لأنهم معلومون له مشاهد لهم محب فيهم لم يزل ولا يزال لم يتجدد عليه حكم لم يكن عليه بل لم يزل محبا خلقه كما لم يزل عالما بهم فقوله فأحببت أن أعرف تعريفا لنا مما كان الأمر عليه في نفسه كل ذلك كما لا يليق بجلاله لا يعقل تعالى إلا فاعلا خالقا وكل عين فكانت معدومة لعينها معلومة له محبوبا له إيجادها ثم أحدث له الوجود بل أحدث فيها الوجود بل كساها حلة الوجود فكانت هي ثم الأخرى ثم الأخرى على التوالي والتتابع من أول موجود المستند إلى أولية الحق وما ثم موجود آخر بل وجود مستمر في الأشخاص فالآخر في الأجناس والأنواع وليس الأشخاص في المخلوقات إلا في نوع خاص متناهية في الآخرة وإن كانت الدنيا متناهية فالأكوان جديدة لا نهاية لتكوينها لأن الممكنات لا نهاية لها فأبدها دائم كما الأزل في حق الحق ثابت لازم فلا أول لوجوده فلا أول لمحبته عباده سبحانه ذكر المحبة يحدث عند المحبوب عند التعريف الإلهي لا نفس المحبة القرآن كلام الله لم يزل متكلما ومع هذا قال معرفا ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث فحدث عندنا الذكر لا في نفسه من سيدنا ومالكنا ومصلحنا ومغذينا وما يأتينا من ذكر من الرحمن محدث فحدث عندنا الذكر من الرحمن لا في نفسه فالرحمة والنعمة والإحسان في البدء والعاقبة والمال ولم يجر لاسم من أسماء الشقاء ذكر في الإتيان إنما هو رب أو رحمن ليعلمكم ما في نفسه لكم ( تكملة في الحب الإلهي ) وهي كوننا نحب الله فإن الله يقول يحبهم ويحبونه ونسبة الحب إلينا ما هو نسبة الحب إليه والحب المنسوب إلينا من حيث ما تعطيه حقيقتنا ينقسم قسمين قسم يقال فيه حب روحاني والآخر حب طبيعي وحبنا الله تالي بالحبين معا وهي مسألة صعبة التصور إذ ما كل نفس ترزق العلم بالأمور على ما هي عليه ولا نرزق الايمان بها على وفق ما جاء من الله في إخباره عنه ولذلك أمتن الله بمثل هذا على نبيه ص فقال وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا فنحن بحمد الله ممن شاء من عباده وما بقي لنا بعد التقسيم في حبنا إياه إلا أربعة أقسام وهي إما أن نحبه له أو نحبه لأنفسنا أو نحبه للمجموع أو نحبه ولا لواحد مما ذكرناه وهنا يحدث نظر آخر وهو لما ذا نحبه إذ وقد ثبت إنا نحبه فلا نحبه له ولا لأنفسنا ولا للمجموع فما هو هذا الأمر الرابع هذا فصل وثم تقسيم آخر وهو وإن أحببناه فهل نحبه بنا أو نحبه به أو نحبه بالمجموع أو نحبه ولا بشئ مما ذكرناه وكل هذا يقع الشرح فيه والكلام عليه إن شاء الله وكذلك نذكر في هذه التكملة ما بدء حبنا إياه وهل لهذا الحب غاية فيه ينتهي إليها أم لا فإن كانت له غاية فما تلك الغاية وهذه مسألة ما سألني عنها أحد إلا امرأة لطيفة من أهل هذا الشأن ثم نذكر أيضا إن شاء الله هل الحب صفة نفسية في المحب أو معنى زائد على ذاته وجودي أو هو نسبة بين المحب والمحبوب لا وجود لها كل ذلك تحتاج إليه هذه التكملة فاعلم إن الحب لا يقبل الاشتراك ولكن إذا كانت ذات المحب واحدة لا تنقسم فإن كانت مركبة جاز أن يتعلق حبها بوجوه مختلفة ولكن لأمور مختلفة وإن كانت العين المنسوب إليها تلك الأمور المختلفة واحدة أو تكون تلك الأمور في كثيرين فيه فتتعلق المحبة بكثيرين فيحب الإنسان محبوبين كثيرين وإذا صح أن يحب المحب أكثر من واحد جاز أن يحب الكثير كما قال أمير المؤمنين ملك الثلاث الآنسات عناني * وحللن من قلبي بكل مكان